الرقيق القيرواني

106

تاريخ افريقية والمغرب

أصحابه إذ سقطت من يده جوهرة ، فأخذ بعض جلسائه وأبو عيينة يراه فقال : « يا غلمان ، لا تطلبوها ولا يبيعنّها آخذها بخسا ، فإنّ شراءها عشرون ألف درهم » ، وكان نازلا بالحارثّيين ، فلمّا أراد الخروج إلى طرابلس جاءته جيرته مودّعين ، فقال لهم : « ما معنا دينار ولا درهم ، ولكن ما في الدّار من طعام وشراب وأثاث ومتاع فهو لكم » ، قال بعضهم : فقمنا فوجدنا خزائن مملوءة من كل شئ فاقتسمناها ، وجاءه وهو على تلك الحال المعروف بأبى حسان الإسكاف فأهدى إليه خفّين ، فقال له : « ما حملك على أن تهدى إلينا ونحن على ما ترى من الحال ؟ ! » فقال : « المودّة لك والأمل فيك بعد اليوم » قال : « ليس يغنى عنك هذا ، ولكن هل لك في شئ ؟ » ، ونزع عن نفسه ثوب وشى فدفعه إليه ، فباعه أبو حسان بمائة دينار . قال أبو مالك بن الطّرمّاح بن حكيم ، وكان مقيما بالقيروان : « بعث إلى أبو عيينة المهّلبىّ أن جئنى بديوان الطّرمّاح لأقرأه عليك ، ففعلت فأمر بانتساخه وقرأه علىّ ، وكنت أحضر طعامه وكساني كسوة نفيسة وأعطاني ثلاثين دينار ، فكان أبو مالك يقول : « واللّه ما رأيت المال أرقّ ولا أذل مما هو بأيديهم » ، وكانت تونس تعدل بالقيروان في كثرة العرب والجند الذين كانوا فيها . وكان أبو جعفر إذا قدم عليه رسول صاحب المغرب يقول : « ما فعلت إحدى القيروانين - يريد تونس - فلمّا قدم الفضل ولىّ عليها ابن أخيه المغيرة بن بشر بن روح ، وكان غرّا لا تجربة له بالأمور ، فاستخفّ بالجند وسار فيهم بغير سيرة من تقدّمهم ووثق أن عمّه لا يعزله ، هذا مع ما في قلوبهم على الفضل من أشياء قد أنكروها ، أقلّها استبداده برأيه دونهم ، فاجتمعوا وكتبوا كتابا إلى الفضل يخبرونه بسوء صنيع المغيرة لهم وقبح سيرته فيهم ، فتثاقل الفضل عن جوابهم ، فاجتمعوا وتكلّم ابن الفارسىّ وقال : « إنّ كلّ جماعة ليس لها رئيس يدبّر أمرها ، فهي على شفا جرف مما تطلب ، فانظروا رجلا يدبّر أمركم » قالوا : « صدقت ، فأشر علينا » قال : « فإني أشير عليكم بالبصير بن الحرب المعروف بالنّجدة ، ولعلّه مع هذا . . ماله ، فإنّه ذو مال » ، قالوا : « من هو ( » قال : « عبد اللّه ابن الجارود ، وهو المعروف بعبدويه ، فأتوا ابن الجارود فقالوا : « قد علمت ما صنع بنا المغيرة وقد كتبنا إلى صاحبه فلم يزل خاذلنا وقد رأينا إخراجه ، وأنت شيخنا وفارسنا